شمس الحب

    عبد الله بن مسعود

    شاطر
    avatar
    رنين القلب
    المدير العام
    المدير العام

    ذكر
    عدد الرسائل : 48
    العمر : 26
    الاوسمة :
    رقم العضوية : 1
    الاعلام :
    تاريخ التسجيل : 18/01/2008

    عبد الله بن مسعود

    مُساهمة من طرف رنين القلب في السبت أغسطس 15, 2009 8:51 am

    قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: 'من سره أن يقرأ القرآن رطباً كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد'.

    كان يومئذ غلاما يافعا لم يجاوز الحلم ، وكان يسرح فى شعاب مكة بعيدا عن الناس، ومعه غنم يرعاها لسيد من سادات قريش هو عقبة بن ابى معيط.. وكان الناس ينادونه : (ابن أم عبد) أما اسمه فهو عبد الله ، وأما اسم أبيه (فمسعود).

    كان الغلام يسمع بأخبار النبى صلى الله عليه وسلم الذى ظهر فى قومه فلا يهمتم بها لصغر سنه من جهة، ولبعده عن المجتمع المكى من جهة أخرى، فقد دأب على أن يخرج بغنم عقبة منذ البكور ثم لا يعود بها إلا إذا أقبل الليل.

    وفى ذات يوم أبصر الغلام المكى عبد الله بن مسعود كهلين عليهما الوقار يتجهان نحوه من بعيد، وقد أخذ الجهد منهما كل مأخذ ، وأشتد عليهما الظمأ حتى جفت منهما الشفاه والحلوق. فلما وقفا عنده سلما وقالا: يا غلام احلب لنا من هذه الشاه ما نطفئ به ظمأنا ، ونبل عروقنا. فقال الغلام: لا أفعل ؛ فالغنم ليست لى ، وأنا عليها مؤتمن.. فلم ينكر الرجلان قوله ، وبدا على وجهيهما الرضا عنه.

    ثم قال له أحدهما: دلنى على شاه لم تلد من قبل، فأشار الغلام إلى شاه صغيرة قريبة منه، فتقدم الرجل وامسكها، وجعل يمسح ضرعها 'ثديها' بيده وهو يذكر عليها اسم الله، فنظر إليه الغلام فى دهشة ؛ وقال فى نفسه: ومتى كانت الشياه الصغيرة التى لم تلد تدر لبنا؟! ، لكن ضرع الشاه ما لبث أن انتفخ ، وطفق اللبن ينبثق منه ثرا غزيرا.

    فأخذ الرجل الآخر حجرا مجوفا من الأرض، وملأه باللبن وشرب منه هو وصاحبه والغلام، ثم قال الرجل المبارك لضرع الشاه: انقبض .. فما زال ينقبض حتى عاد الى ما كان عليه. عند ذلك قال الغلام للرجل المبارك: علمنى من هذا القول الذى قلته.. فقال لى : إنك غلام مُعلّم.

    كانت هذه بداية قصة عبد الله بن مسعود مع الإسلام. إذ لم يكن الرجل المبارك إلا رسول الله صلوات الله عليه ، ولم يكن صاحبه إلا الصديق رضى الله عنه. فقد نفرا فى ذلك اليوم إلى شعاب مكة ، لفرط ما أرهقتهما قريش ، ولشدة ما أنزلت بهما من بلاء.
    وكما أحب الغلام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصاحبه ، وتعلق بهما ، فقد أعجب الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه بالغلام وأكبرا أمانته وحزمه ، وتوسما فيه الخير.
    لم يمض غير قليل حتى أسلم عبد الله بن مسعود وعرض نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخدمه ؛ فوضعه الرسول صلوات الله عليه فى خدمته. ومنذ ذلك اليوم انتقل الغلام المحظوظ عبد الله بن مسعود من رعاية الغنم الى خدمة سيد الخلق والأمم.
    لزم عبد الله بن مسعود رسول الله صلوات الله عليه ملازمة الظل لصاحبه ، فكان يرافقه فى حلة وترحاله ، ويصاحبه داخل بيته وخارجه .. إذ كان يوقظه إذ نام ، ويستره إذا اغتسل ، ويلبسه نعليه إذا أراد الخروج ، ويخلعهما من قدميه إذا هم بالدخول ، ويحمل له عصاه وسواكه ، ويلج الحجرة بين يديه إذا أوى إلى حجرته.. بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن له بالدخول عليه متى شاء ، والوقوف على سره من غير تحرج ولا تأثم ، حتى دُعى 'بصاحب سر' رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ربى عبد الله بن مسعود فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاهتدى بهدية ، وتخلق بشمائله، وتابعه فى كل خصلة من خصاله ، حتى قيل عنه: إنه أقرب الناس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم هديا وسمتا 'الهيئة والخلق'. وتعلم ابن مسعود فى مدرسة الرسول صلوات الله عليه فكان من أقرا الصحابة للقرآن ، وأفقههم لمعانيه ، وأعلمهم بشرع الله.

    ولا أدل على ذلك من حكاية ذلك الرجل الذى أقبل على عمر بن الخطاب وهو واقف (بعرفة) ، فقال له: جئت – يا أمير المؤمنين – من 'الكوفة' وتركت بها رجلا يملى المصاحف عن ظهر قلبه فغضب عمر غضبا قلما غضب مثله ، وانتفخ حتى كاد يملأ ما بين شعبتى الرجل وقال: من هو ويحك؟! قال: عبد الله بن مسعود.. فما زال ينطفئ ويسرى عنه حتى عاد الى حاله ، ثم قال: ويحك ، والله ما أعلم أنه بقى أحد من الناس أحق بهذا الأمر منه ، وسأحدثك عن ذلك..
    واستأنف عمر كلامه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر ذات ليلة عند ابى بكر ويتفاوضان فى أمر المسلمين ، وكنت معهما ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه ، فإذا رجل قائم يصلى بالمسجد لم نتبينه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع إليه ، ثم التفت إلينا فقال: 'من سره أن يقرأ القرآن رطبا كما نزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد' ثم جلس عبد الله بن مسعود يدعو فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام يقول له: (سل تعطه .. سل تعطه) ، ثم اتبع عمر يقول : فقلت فى نفسى : والله لأغدون على عبد الله بن مسعود ولأبشرنه بتأمين الرسول صلى الله عليه وسلم على دعائه ، فغدوت عليه فبشرته ، فوجدت أبا بكر قد سبقنى إليه، فبشره.. ولا والله ما سابقت أبا بكر إلى خير قط إلا سبقنى إليه.

    ولقد بلغ من علم عبد الله بن مسعود بكتاب الله أنه كان يقول: والله الذى لا إله غيره ، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وأعلم فيما نزلت ، ولو أعلم أن أحداً أعلم منة بكتاب الله تناله المطى 'أى يمكن الوصول اليه' لأتيته.

    لم يكن عبد الله بن مسعود مبالغا فيما قاله عن نفسه ، فهذا عمر بن الخطاب رضى الله عنه يلقى ركبا فى سفر من أسفاره ، والليل مخيم يحجب الركب بظلامه. وكان فى الركب عبد الله بن مسعود، فأمر عمر رجلا أن يناديهم : من أين القوم؟ .. فأجابه عبد الله : من الفج العميق.
    فقال عمر : اين تريدون؟ فقال عبد الله : البيت العتيق.
    فقال عمر : إن فيهم عالما .. وأمر رجلا فناداهم: أى القرآن أعظم؟ فأجابه عبد الله: 'الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم' 'سورة البقرة الآية 255'
    قال : نادهم أى القرآن أحكم؟ فقال عبد الله : 'إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى' 'سورة النحل الآية 90'
    فقال عمر: نادهم أى القرآن أجمع؟ فقال عبد الله : 'فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره'، 'سورة الزلزلة الآيات 7 – 8'.
    فقال عمر: نادهم أى القرآن أخوف 'يعنى ما الآية التى تبعث الخوف من الله فى قلب المؤمن'؟ فقال عبد الله: 'ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز يه ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا' سورة النساء الآية 123 .
    فقال عمر: نادهم أى القرآن أرجى 'يعنى ما الآية التى تبعث فى القلوب الرجاء فى الرحمة والمغفرة'؟ فقال عبد الله : 'قل يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إ، الله يغفر الذنوب جميعاً ، إنه هو الغفور الرحيم' سورة الزمر الآية 53.
    فقال عمر: نادهم ، أفيكم عبد الله بن مسعود؟! قالوا : اللهم نعم.
    ولم يكن عبد الله بن مسعود قارئا عالما عابدا زاهدا فحسب ؛ وإنما كان – مع ذلك – قويا حازما مقداما إذا جد الجد. فحسبه أنه أول مسلم على ظهر الأرض جهر بالقرآن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقد اجتمع يوما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مكة ، وكانوا قلة مستضعفين – فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم إياه؟! فقال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم إياه. فقالوا: إنا نخشاهم عليك ، إنما نريد رجلا له عشيرة ، تحميه وتمنعه منهم إذا أراده بشر. فقال دعونى فإن الله سيمعنى ويحمينى..
    ثم غدا إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم فى الضحى وقريش جلوس حول الكعبة فوقف عند المقام وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم – رافعا بها صوته – الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان 'سورة الرحمن الآيات من 1 : 4
    ومضى يقرؤها فتأملته قريش وقالت: ماذا قال ابن أم عبد؟! .. تبا له .. إنه يتلو بعض ما جاء به محمد .. وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ ، ثم أنصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه ، فقالوا له: هذا الذى خشينا عليك. فقال: والله ما كان أعداء الله أهون فى عينى منهم الآن، وإن شئتم لأغادينهم بمثلها غداً فقالوا: لا ، حسبك لقد أسمعتهم ما يكرهون.

    عاش عبد الله بن مسعود إلى زمن خلافة عثمان أبن عفان رضى الله عنه ، فلما مرض مرض الموت جاءه عثمان عائداً فقال له: ما تشتكى؟ قال: ذنوبى.. قال : فما تشتهى؟ قال : رحمة ربى.. قال: ألا آمر لك بعطائك الذى امتنعت عن أخذه منذ سنين؟! قال: لا حاجة لى به.. قال : يكون لبناتك من بعدك.. قال: أتخشى على بناتى الفقر؟ إنى أمرتهن أن يقرآن كل ليلة سورة الواقعة وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: 'من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة 'الفقر والحاجة' أبداً'.

    ولما أقبل الليل لحق عبد الله بن مسعود بالرفيق الأعلى، ولسانه رطب بذكر الله ندى بآياته البينات. فصلى عليه جموع المسلمين ؛ فيهم الزبير بن العوام .. ثم دفن فى البقيع ، يرحمه الله


    _________________

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 11, 2017 9:36 pm